الفتوحات الاسلامية ..أسبابها وأهدافها

الفتوحات الاسلامية ..أسبابها وأهدافها

بقلم/دكتورة سامية الحريري
إن الفتوحات الإسلامية كثيرا ما واجهت عديدا من الإنتقادات وكثيرا من الإتهامات المغرضة والتى كان جل هدفها هو النيل من إسلامنا الحنيف ومحاولة توجيه البوصله الى أن الإسلام دينا إنتشر بحد السيف وحقيقة هذا الشعار يثير حفيظتى وسخريتى ويطرح سؤالا وهل ذكر التاريخ يوما ما أو تحدث على مر العصور عن عقيدة ما فرضت بالقوة وهل تفرض الأديان بالقوة ام بالإقناع والتعقل والتفكر والتدبر .
قد سدد المستشرقون سلفا للإسلام عديدا من الطعنات ومنها هذا الكذب والافتراء بشان تلك الفتوحات الفاتحه المانحة بأنها فرضت الاسلام بحد السيف وفى وقتنا هذا عادت تلك النعرات المغرضة مرة اخرى للظهور تلك النعرات التى لا أرى فيها غرضا سوى التشكيك فى أسلامنا وتاريخه المجيد وذلك لإثاره وتخويف المجتمع العالمى منه ولعلم هؤلاء المشككين أن الاسلام حينما يدرك محتواه الحقيقى وتتبع تعاليمه السمحة الصحيحة ويدرك الغاية منها سوف يتسيد المسلمون العالم من جديد هذا هو مايخشاه هؤلاء المغرضين بشده بل هو ما يرتعبون منه.

الواقع أن الإسلام لا يبغي من نشر دعوته في جميع انحاء المعمورة إلا رعاية مصالح البشر، ووأد الجهل والتخلف ،وإنارة العقول والافهام ونشر العلم والتحضر، و التحلى بمكارم الاخلاق وليس في الإسلام وتعاليمه أى من مقاصد الأغراض الدنيوية الحقيرة أو التبارى نحو الثراء من اجل التفاخر بمظاهر البذخ والإسراف والاسلام ليس فيه حب للسلطه او السطوة و ليس فيه كبر او تجبر والإسلام يدين بشده الإعتداء على الغير ويكره ترويع الآمنين ومن تعاليمه السمحة ضرورة الحفاظ على الأنفس والأموال والأعراض . وإننا حينما نتحدث عن الدعوات الإصلاحية على مر التاريخ لن نجد فيها مثل دعوة الاسلام التى يتجلى فيها أصدق البراهين على تحقيق الغايات المثلى كأطلاق الحريات واقامة العدل والمساواة وحرية الاعتقاد والتعايش السلمى بين افراد المجتمع رغم اختلاف عقائدهم وايدلوجياتهم وبذلك تطئن الانفس وترضى مما يقود لأستقرار المجتمعات واستعدادها للنهضه الحضارية فى جميع مناح الحياة …
ولما كان إسلامنا الحنيف يحوى كل هذه القيم الربانية العظيمة التى تقود الى التحضر وتدعو الإنسان للإرتقاء بذاته وبوعيه فعيب اشد العيب على هؤلاء الذين يصفونه بالعنصريه والهمجية ويكيلون له الاتهامات ويضمرون الحقد تجاهه حسدا من عند أنفسهم رغم علمهم الشديد بانه دين الحق.
فالفتوحات الإسلاميه لها أسبابهاوأهدافها العظيمه التى لا يدرك قيمتها سوى أصحاب البصائر الملهمة وذوى الافئدة المستنيرة.
جميعنا يعلم مدى ضغيان المستعمرين فى كل الأزمان وعلى مر العصور والتاريخ خير شاهد على ذلك فالمستعمرون يدخلون البلاد لنهب خيرات الشعوب وأستغلال مواردهم وأستعبادهم هذا علاوة على ما يخلفه من دمار ومآس يشيب لذكرها الولدان فقد قتل الصليبين فى حملتهم على المسلمين حوالى 90 الف مسلما اثناء حملتهم على بيت المقدس فى حين قتل الماغول والتتار ما يقارب مليونى مسلما فى العراق وحدها.والسؤال هنا هل فعلت الفتوحات الاسلاميه بالممالك التى فتحتها مثلما فعل هؤلاء الاستعماريون بضحاياهم عبر الازمنة المختلفة؟
هل دخل المسلمون الممالك غازون لإستغلال خيرات البلاد أو لإزلال اهلها وقهرهم والنيل من معتقداتهم ؟
فالاجابه هنا بمنتهى العقلانية ..ان المسلمون فى هذه الآونة هم أهل الرحمه والعدل وهم التابعين لرسولهم الكريم صاحب الخلق القويم وهم رحماء فيما بينهم وأشداء على اعداء الله وأعداء الله هنا هم ليسوا أصحاب العقائد الاخرى أنما هم من الظالمين الذى يبطشون بالاخرين ويهدرون القيم الانسانية وهم المتنطعين الذين يرتكبون كل الآثام فى حق الله وفى حق العباد باسم الدين … والصحابه كانوا اهل تضحية وعطاء مبتغين بذلك فضل الله ورضوانه والمسلمون وضعوا قانونا للحرب ينظمها حتى لا تحيد عن الهدف الذى دقت طبولها لأجله .
ومن أهم أسباب الفتوحات الإسلاميه هى رد العدوان وهو أمر مشروع للدفاع عن النفس فقد قضى المسلمون 13 سنة تحت ظلم المشركين دون أن يُشهروا سيفًا في وجه من ظلمهم ولم يقرر المسلمون فتح مكة الا عندما نقضت قريش عهدها، وأعتدت على قوم من حلفاء المسلمين واصبحت تشكل تهديدا واضحا لسلامه المسلمين وأمنهم، فكان الفتح لرد العدوان امر حتمى و لابد منه مما دفع المسلمين لإستخدام القوة حتى يتثنى لهم الدفاع عن أمنهم واستقرارهم ، وكذلك كان قتال الروم في معركة مؤتة بعد أن قتل الغساسنة وهم حلفاء الروم الرسول الذى ارسله رسول الله إلى ملك بصرى، ثم كان ردّ عدوان الروم في غزوة تبوك التى بدأ فيها ايضا الروم بالعدوان على المسلمين .وفى عهد ابى بكر خرجت حمله لتاديب عرب الشام وأتباع الروم وكان ذلك بسبب إضطهادهم المستمر للمسلمين وقد وقف مسيحى الشام والعراق آنذاك بجانب المسلمين وقدموا العون لهم لما وجدوه ولمسوه فى الأسلام من فكر سوى يحمل فى طياته العدل والرحمه متوسمين فيه سببا للخلاص من إضطهاد أباطرة بيزنطة.
وهنا نرى المسلمين يحاربون من اجل دفع الأعتداء ورد العدوان إمتثالا لقوله تعالى “وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”
وحيث إن وجوب نصرة المظلومين والمستضعفين و نجده الملهوف كانت هدفا ساميا من أهداف الدعوة الإسلاميه فقد لبي المسلمون نداء المظلومين والمقهورين لما سمعوا أنين من كانوا تحت وطأة جبروت االرومان المتغطرسين فى ذلك الوقت ليكون اغاثة الملهوفين هو هدفا آخر من أهداف الفتوحات الإسلاميه النبيلة.
وفى عهد الخليفة عمر بن الخطاب بلغه أن الظلم والجور قد بلغ مداه فى بلاد الشام وأن الرومان يسومون الناس سوء العذاب ويعيثون فى الارض فسادا أرسل اليهم الجيوش بقيادة ابو عبيدة الجراح ولما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن ، وعسكر أبو عبيدة في فحل، كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إلى العرب يقولون: “يا معشر المسلمين!! أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا، وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا، ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا فدخلت الجيوش المسلمة للنصرة اهل هذه البلدان ولترفع عنهم الذل والمهانة وتقيم العدل على أسس من الرحمه والمساواة .

الفتح الإسلامي لمدينة القدس ايضا كان على يد ابو عبيدة سنة16هجريا حيث تمت السيطرة الإسلامية على فلسطين و جاء الفتح الإسلامي تعريفا للعالم بمكانة القدس في الإسلام، كما في المسيحية واليهودية. بعد الفتح الإسلامي للقدس فقد رد االبطريارق بنيامين الى كرسيه بعدعزله ظلما وعدوانا من منصبه، وسمح لليهود بزيارة وممارسة شعائرهم الدينية بحرية في القدس من قبل الخليفة عمر بعد ما يقرب من 500 سنة قد حرموا فيها من زيارة الأراضي المقدسة من قبل الرومان وفى هذا الزمان أستطاع الخليفة الواعى صاحب البصيرة عمر بن الخطاب من إرساء قواعد التعايش السلمى فى القدس بين العقائد المختلفة.
وحينما دخل محمد الفاتح القسطنطينية سنه857 هجريا…كتب وثيقه لأهل امارة غلطة يقول فيها إنه يحفظ للناس حريه عبادتهم وطقوسهم وانه لا يخرب قلعتهم ويترك بين أيديهم اموالهم وأرزاقهم وكنائسهم ملك لهم. تلك هى مواثيق الإسلام الخاصة بميثاق الحروب فقد قال رسول الله “لا تقتلوا صبيا ولا إمرأة ولا شيخا كبيرا ولا مريضاولا راهبا ولا تقطعوا مثمرا ولا تخربوا عامرا ولاتذبحوا بعيرا ولا بقرة الا لمأكل ولا تغرقوا نخلا ولا تحرقوه”والمسلمون ملتزمون هنا بآداب الحرب وقانونه فحينما ينتصروا لا تنازعهم أنفسهم فى التجاوز ضد الطرف الآخر وأن النصر لنصرة الحق ونصرة كلمه الله وليس للفخر أو للتباهى وانما كانت سعادتهم الحقة فى نشر روح الإسلام بما يتضمنه بكل معانى الحب والخير والأنسانية.
وحينما دخل المسلمون الأندلس دخلت أعدادا كبيره فى الاسلام بسبب الغاء الطبقيه ونشر ثقافة حريه العقيدة ذلك تنفيذا لأوامر الرحمن” لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” وهكذا توسعت الفتوحات وقويت واذدادت لتشمل عدد كبيرا من البلدان ولم تكن غايه الفتوحات الا لرد العدوان وإغاثه الملهوفين ونشر فكر الإسلام بالحسنى وليس بحد السيف كما يزعم المتغطرسون ولما كان هذا هو هدف المسلمون يسر لهم الله فتح الأبواب لما كان لديهم فى ذلك الوقت من فهم وإدراك واع لأوامر ذلك الدين الفطرى الذى يحمل بين طياته مقاصد إنسانية عظيمة ..نعم انهم أصحاب
الدعوة الساميه التى تهدف للحب والعدل والتسامح ..فقد دخل حينها العديد من الناس فى دين الله أفواجا عن حب واقتناع لما ارتؤه من حسن خلق وفضل ورد للمظالم وحفاظ على حقوق الأقليات فأصبحت هذه الاقليات فى رضا مطلق عن المسلمين وعن حكمهم .وفى تلك الحقبة الزمنية أستقرت دولة الأسلام وازدهرت الحضارة الاسلامية كنتاج لتلك الفتوحات المباركة حيث تجلى العلم و الإبداع فى أرقى صوره فى شتى مناح الحياة والى الآن فى جميع ربوع المعمورة تجد العمارة الإسلاميه واثار تلك الحضارة العظيمة خير شاهد عليها ففى هذه الفتوحات ومابنى عليها دروسا جمة مستفاده لن تكفى لها مئات الكتب لسرد فضل تلك الفتوحات ونبل اهدافها وعظيم مكانتها.

.ومن هنا نرى ان الفتوحات لم يكون هدفها البته نشر الإسلام بحد السيف إنما هى فتوحات تنشد الهدى والصلاح دون علوا او إستكبارا.

لقد كان الفتح الإسلامي فتحا متفردا ومختلفا في تاريخ البشرية كلها، لم نرى له من قبل ولا من بعد شبيها ولا نظيرا.. فهو لم يكن فتحا للأستحواز على كتوز الأرض وإنما كان فتحا للقلوب ، وحينما ندرك طبيعة الفتح الإسلامي ونعى أهدافه وبواعثه لوددنا ان يعود الفتح الاسلامى من جديد ذلك الفتح الذى غمر البسيطه بالعدل ، وألقى فيها رواسى الخير وقضى على البغضاء وغرس فيها الأمن والسلامة ولكن أكثر الناس لا يعلمون.