نحو بناء مجتمعات عربية ديمقراطية تنبذ التطؤف والعنف والارهاب

نحو بناء مجتمعات عربية ديمقراطية حداثية تنبذ التطرف والعنف والإرهاب
بقلم الدكتورة نجلاء صالح

التطرف باللغة العربية مشتق من كلمة طرف .. فطرف العصا هو أقصى نقطة فيها من أي جانب وتبعد عن وسطها وأطراف المدينة تعني الأحياء التي تقع في أقصى المدن بعيدا عن مراكزها والتطرف هو أخذ جانب مبتعد جدا عن التوسط أو عن الحالة الاعتيادية لأي شيء ماديا كان أو معنويا .. والتطرف بمفهوم علماء النفس والاجتماع هو أخذ الجانب المتشدد من العقائد أو المفاهيم السائدة الى حد المغالاة في الاعتقاد والنفور أو التضادد من الأفكار الأخرى واعتبار الافكار المعتنقة هي الأفكار والعقائد الصحيحة وما خالفها هو الأفكار أو العقائد الفاسدة أو غير الصحيحة .. وقد يكون التطرف دليلا على الابتعاد الشديد عن الوسطية سواء في المغالاة بالاعتقاد بالفكر أو المغالاة برفضه أي في الزيادة أو النقصان والذي ينتج عنه أخيرا الرفض البات لسلوكيات المجتمع وأعرافه الجارية وتقاليده التي دأب الجميع للانصهار بها .. ومن الواضح الآن ان التطرف يكون بالاعتقاد أو السلوكيات الفردية والجماعية كأداء الطقوس والشعائر الدينية المختلفة مع المغالاة بها والتي لا تستوجب العقوبات القانونية بحكم حرية الفرد باختيار عقيدته الدينية أو المذهبية أو الفكرية رغم ان الأنظمة القمعية لاسيما في البلدان العربية تحد بشكل كبير من الحريات الفردية وبالخصوص عند الاستشعار بوجود خطر يهدد تلك الأنظمة من السلوكيات والعقائد التي صفتها التطرف والمغالاة ..

و لعل من أبرز الظواهر التي برزت في الآونة الأخيرة في واقعنا العربي والإسلامي ، هي ظاهرة استخدام العنف لأغراض دينية أو لبواعث دينية .
فأضحت لدينا ظاهرة ما يمكن تسميتها بالعنف الديني . والمقصود بها هي مجموع الممارسات العنفية المعنوية والمادية والتي يمارسها الآحاد أو المجموع لبواعث دينية ومن أجل غايات وأهداف دينية .

ولا ريب أن أسباب وعوامل نشوء هذه الظاهرة ، هي أسباب وعوامل متداخلة مع بعضها البعض . فثمة أسباب ثقافية وعوامل سياسية وبواعث أيدلوجية كلها مع غيرها ، ساهمت في إنتاج وتوليد ظاهرة العنف الديني في مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة . ولكونها ظاهرة إلى منهجية متكاملة وواسعة لقراءة هذه الظاهرة وتفسيرها التفسير الصحيح . لأننا نعتقد أن التفسير الصحيح للظواهر الإنسانية ، هو الذي يقودنا إلى معالجات صحيحة وسليمة .

ان من أهم أسباب العنف والتطرف الذي يحدث الارهاب هو العوامل السيكولوجية ونشأة الارهابيين حيث لا يغفل الباحثون هناعوامل الفقر والقسوة والجهل والعلاقات المضطربة بالوالدين أو أحدهما والعلاقات المضطربة مع المجتمع والتفسير الخاطيء للأحكام الشرعية
ومناهج تعليم سيئة والاضطرابات النفسية والذهنية ووجود أنظمة حكم دكتاتورية تخنق الحريات الفردية .. ويدخل الربح المادي السريع كأحد أهم العوامل للانخراط في الارهاب حيث ان عددا لابأس به من المرتزقة دافعهم مادي بحت وليس عقائديا .. ولا ننسى هنا ضعف الخطاب الديني التنويري والمعتدل وما لهذا الضعف أو الاختفاء من تأثير سلبي على اثارة التطرف الديني وبالتالي الانزلاق نحو العنف والارهاب ..

إن الارهابيون يندرجون تحت ثلاث فئات أولها بل أخطرها على الاطلاق الآيديولوجيون والمنظرون وهم أصحاب الفتاوى للجهاد ممن يحرض على الارهاب تحت مسمى الجهاد دون الاشتراك به لجبنهم .. أما الفئة الآخرى فهي فئة المنفذون وهم الانتحاريون والمسلحون الآخرون .. الممولون هم الفئة الثالثة من تجار وأثرياء يضخون الأموال بدوافع شتى منها العقائدي ومنها الشخصي ومنها ما ينتج تحت ضغط أو تهديد من نفس الارهابيين .. لذا فان محاربة الارهاب تبتديء بتجفيف منابعه العقائدية بمحاربة الفئة الأولى أولا وتجفيف منابعه المادية بمحاربة الفئة الثالثة ثانيا ثم تأتي المرحلة الأخيرة وهي محاربة الفئة المنفذة ..

ان الصراعات السياسية والفكرية والدينية التي تعم العالم منذ فترة طويلة صبغت البشرية بصبغتي التطرف والعنف ويشهد العالم بأغلب مناطقه الجغرافية توترا أو قتالا بسبب التطرف الفكري الذي تذكيه غالبا قوى خارجية لتحقيق اجنداتها .. والعراق ليس استثناءا من ذلك فقد شهد ومنذ فجر التاريخ كما ذكر الباحث باقر ياسين في كتابه ” تاريخ العنف الدموي في العراق ” مذابح فردية وجماعية تضع العراق في مرتبة متقدمة جدا من العنف الدموي بسبب التطرف والسيطرة

ان نتائج الإرهاب كارثية من ناحية تدمير البنية التحتية وخسارة الموارد البشرية والهاء الكوادر الفنية العاملة من أداء دورها في عجلة البناء والتقدم وايقاف أو على الأقل اضعاف الاستثمار ما كان محليا أو اجنبيا فالمال ينمو في بيئة آمنة فقط ناهيك عن التأثيرات الأخرى الخطيرة وأهمها استثمار الدول الكبرى للارهابيين في التغيير القسري لأنظمة الحكم كما حدث في العراق واضعاف أو تقسيم البلد الى أقاليم متناحرة ..

فالعنف الديني في المنطقة العربية ، هو نتيجة طبيعية لظاهرة الغلو والتطرف الديني .. وإن من يحارب العنف والإرهاب ، دون محاربة الغلو والتطرف ، فإنه لن يصل إلى نتائج حاسمة على هذا الصعيد .. لأن خيار الغلو والتطرف سيخلق المزيد من الإرهابيين .. ومن يسعى إلى محاربة الإرهابيين ، فعليه مواجهة أسبابه وعوامله وموجباته الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية .. لهذا فإننا نعتقد وبعمق ، أن فهم ظاهرة العنف والإرهاب بشكل صحيح وسليم ، هو الخطوة الأولى في مشروع مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة على حاضرنا ومستقبلنا ..
فنحن ندين تفجير الكنائس والمساجد ودور العبادة ، كما ندين قتل الأبرياء أنى كانوا .. ولكن الإدانة والاستنكار بوحدهما ، لا ينهيان هذه الظاهرة ، بل سيستمر أهل العنف بعنفهم وأهل الإرهاب بإرهابهم ، لأن الإدانة بوحدها لن تغير من المناهج الثقافية والدينية التي تخلق الإرهابي ، ولأن الاستنكار بوحده لن يحول دون استمرار قافلة الإرهابيين من القتل والتفجير ..
فالاستنكار بوحده لا يكفي ، واتهام الخارج بهذه الأعمال ، يزيف الوعي ويساهم في غبش الرؤية واختلال نظام الأولويات ويحول دون العمل الصحيح لمعالجة هذه الظاهرة .. وأكرر هنا إنني لا أبرأ الخارج من هذه الأعمال فهو يوظفها لصالح مخططاته ومصالحه ..
لعلنا لا نجانب الصواب ، حين القول : أن كل نزعة أيدلوجية منغلقة ، هي بالضرورة صانعة أو حاضنة للتعصب ، وطرد المختلف ، ونبذ المغاير .. لأن النزعات الأيدلوجية المنغلقة بطبيعتها ووفق بنيتها الداخلية ، لا ترى الحق والحقيقة إلا لديها ، ولا يتسع عقلها وقلبها وحسها ، إلى مشروعات أو نظريات مغايرة أو مختلفة معها .. لذلك ثمة صلة عميقة تربط النزعات الأيدلوجية المغلقة بصرف النظر عن مضمونها وآفة التعصب الأعمى وكل مخزونها العدائي والإقصائي للآخرين ..
فالنزعات الأيدلوجية المغلقة الدينية أو الوضعية ، تكون ممهدة وراعية لكل النزعات التعصبية التي تنشأ إما من قلب هذه النزعات الأيدلوجية أو على ضفافها وهامشها ..وعليه فان هذه النزعات الأيدلوجية حينما حكمت وسادت في الفضاء الاجتماعي والسياسي ، فإنها استخدمت أدوات الدولة ومقدرات السلطة لتعميم قناعاتها ونظامها الفكري ، ومارست كل أشكال الحيف والقهر والظلم بحق كل الوجودات الاجتماعية المغايرة لها أو غير المنسجمة معها سواء على مستوى الأصول أو مستوى الفروع .. وذات الممارسة والسلوك ، مارست النزعات الأيدلوجية الدينية المغلقة والدوغمائية ، فإنها حولت الدين ومنظومته المعيارية كغطاء ومسوغ لطرد المختلفين معها ونبذ المتمايزين مع تفسيرها وقناعاتها المركزية والفرعية .. وما تمارسه الجماعات الأيدلوجية الدينية المغلقة والتعصبية من تكفير الناس وقتلهم والتفنن في إيذائهم المادي والمعنوي ، ما هو إلا تجسيد عملي للقناعة الفكرية الآنفة الذكر . أن كل منظومة أيدلوجية مغلقة بصرف النظر عن جوهرها الفكري ، هي بالضرورة صانعة للتعصب ، ومشجعة للمفاصلة الشعورية والعملية مع المختلفين مهما كانت درجة الاختلاف والتباين .. لأن المنظومات الفكرية المغلقة ، لا ترحب بالتعدد ، وتنبذ الاختلاف ، وتحارب ثقافة السؤال ، وترفض النقد والمراجعة .. وتغطي كل هذه الممارسات الشائنة بعقلية تعصبية ، تظهرهم وكأنهم الأحرص على قيم المجتمع والأمة ، وهم على المستوى العملي أول من ينتهك قولا وفعلا قيم الأمة والمجتمع .. لذلك فإننا نعتقد أن مواجهة ظاهرة التعصب الأعمى للذات وقناعاتها وتاريخها وأفكارها ، يتطلب رفض كل النزعات الأيدلوجية المغلقة سواء كانت حاكمة أو محكومة ، لأنها نزعات تستدعي كل أشكال التعصب ، وتمدها باستمرار بكل أسباب الحيوية والفعالية والاشتغال ..
لذلك لا يمكن محاربة ظاهرة التعصب ، إلا بالوقوف بوعي ضد كل النزعات الأيدلوجية المغلقة ، التي لا ترى إلا ذاتها وجماعتها ولا يتسع منطقها لمنطق التعدد والتنوع والانفتاح ..لذلك هي تحارب كل هذه القيم ، لأنها قيما مضادة لنهجها ومسيرتها الأيدلوجية والاجتماعية ..