رد الاعتبار للتاريخ واجب “كتيبة الإعدام” ورد الاعتبار للطيب وللسينما والتأريخ

كتب/هاني عبدالكريم
رد الاعتبار للتاريخ واجب
“كتيبة الإعدام” ورد الاعتبار للطيب وللسينما والتأريخ

انتشر بالأمس بوست نشرته إحدى الصفحات السينمائية يذكر معلومة بالغة الغرابة هي أن فيلم “كتيبة الإعدام” للمخرج الكبير عاطف الطيب قد تم تصويره بالكامل في ثلاثة أيام فقط. ورغم أن خطأ المعلومة المضحكة ليس بحاجة إلى مصادر فلا يوجد فيلم روائي طويل يمكن تصويره في ثلاثة أيام مهما كان مستواه أو الرغبة في الانتهاء منه سريعاً، إلا أنه ونظراً لإصرار مدير الصفحة على موقفه رغم الاعتراضات من المعلقين، متذرعاً بأن “المعلومة حقيقية لأنها مذكورة في حوار للفنانة معالي زايد بطلة الفيلم”، فربما يحتاج الأمر لتوضيح خاصة إذا ما كان الأمر يتعلق بصفحة مهتمة بالتأريخ للسينما.

في حالة وجود معلومة غريبة وغير منطقية لا يمكن الاعتماد تاريخياً على مصدر وحيد، خاصة وإن كان هذا المصدر هو حوار صحفي قد يكون قد تعرض للتشويه أو التشويش أو سوء الفهم أو حتى الخطأ الإملائي والطباعي. وما ذكره بعض المعلقين من أن جميع أبطال الفيلم ومخرجه قد رحلوا عن الحياة وبالتالي لا يمكن التأكد من مصدر آخر بخلاف المنشور على لسان معالي زايد، فهو أمر قد يليق بالقارئ العابر وغير الخبير لكنه بالتأكيد لا يليق بمن نشر المعلومة المضحكة وأصر على الدفاع باستماتة عنها.

هناك من فريق الفيلم من هم على قيد الحياة، بل إنه لا حاجة للرجوع لأشخاص في ظل وجود مصادر منشورة، على رأسها كتاب كامل نشره مدير التصوير الكبير سعيد شيمي ـ متعه الله بالصحة وطول العمر ـ بعنوان “أفلامي مع عاطف الطيب” عن سلسلة آفاق السينما الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، يتحدث فيه تفصيلياً عن تجربة كل فيلم قام بتصويره لعاطف الطيب. وصحيح أن الكتاب لا يتضمن ذكراً صريحاً لعدد أسابيع تصوير الفيلم، إلا إن غياب المعلومة هو مبدئياً نفي لها، فإذا كان هناك فيلم تم تصويره في ثلاثة أيام فقط، فمن الطبيعي أن يذكر مصوّر الفيلم هذه المعلومة عند الحديث عنه.

ولنأخذ من كلام سعيد شيمي في الكتاب عن الفيلم ما يشير ضمناً لفترة التصوير:

“كان العجيب أن عاطف زاد من معدلات العمل بشكل غير مسبوق، فليس من الممكن أن نعمل لمدة 18 ساعة يومياً مثلاً ولا نستريح إلا أربع أو خمس ساعات ونعود للعمل مرة أخرى، ولهذه الظروف القهرية في العمل كان يهرب من العمل معه بعض الفنيين والعمال” ص73
ولو كان التصوير لثلاثة أيام فقط لتفهم شيمي ضغط الجدول، ولتحمله العمال والفنيين ففي النهاية الحصول على أجر فيلم في ثلاثة أيام فقطهو أمر مغري مهما كان طول ساعات العمل.

“لم تسمح ظروف عملي بمعايشة هذا الفيلم من البداية، حيث كنت أصور مع الصديق المخرج على عبد الخالق فيلم (الحقونا)، حتى أنني في آخر أسبوع من هذا الفيلم عملت في تصوير الفيلمين معاً، واحد في الصباح والثاني ليلاً.. ولكنني طلبت من عاطف التأجيل لأني تعبت ولا استطيع الاستمرار في العمل بهذا الوضع، فقام بتأجيل التصوير لمدة نصف أسبوع حتى أنهي عملي مع عبد الخالق” ص74
من الواضح بالطبع أن قيام أيام تصوير الفيلم هو كالمعتاد بالأسابيع وليس الأيام، بل أن الطيب أجل التصوير نصف أسبوع من أجل المصور، وهي ما يزعم صديقنا أنها كل أيام تصوير الفيلم.

“أصيب رئيس عمالي الممتاز فوزي لبيب في عينه بمرض المياة البيضاء ولم يستمر معي في الفيلم بعد إجراء العملية، وبالتالي كان معي صبية لا يفهمون أسلوبي وسرعتي في العمل وكانت إحدى ميزات عملي، وعلى ما أتذكر كانت هناك بعض المشاكل الإنتاجية التي تسبب تعطيل العمل، حتى إنه تم تغيير مجموعة الإنتاج في منتصف الفيلم” ص74
والحديث يستحيل أن ينطبق على فيلم تم تصويره في ثلاثة أيام كما هو واضح.

في النهاية المعلومة هي من العبث بما ينفيها شكلاً ومضموناً دون الحاجة لأي بحث وتمحيص، لكنني أكتب هذا التعليق لتوضيح إنه رغم الفقر الواضح الذي نعترف به جميعاً في مصادر المعلومات المتعلقة بالسينما المصرية، إنه لا يزال هناك سبل ووسائل للتأكد من دقة المعلومة قبل نشرها، خاصة لو كانت معلومة مستحيلة التصديق، وخاصة إذا ما كان ناشرها يصمم على الدفاع عما نشره دون أي مراجعة أو اعتبار لتعليقات بعض المتخصصين.