رسالة من تحت الماء

رسالة من تحت الماء
( أمى الحبيبة.. تعلمين يا أمى أننى ذهبت لأعرق لا لأغرق، لكنه القدر وظلم البشر.. كنت أبحث عن لحظة دفء افتقدتها فى وطنى.. عن لقمة، عن قميص لى ومسطرة بلاستيك ملونة لابنى، ذهبت أبحث عن عباءة لك، ودواء الروماتيزم، عن نظارة طبية تحتاجها زوجتى.. أنقب فى القاع الآن عنهم ولا أجدهم.. لم يطردنى حضنك، لكن لفظنى حضن وطن لا يعرف الفارق بين البطولة والبطالة.. فى قاع البحر يا أمى لا بورصة ولا احتكار، ولا لجنة سياسات ولا تعذيب ولا خوف، فالغريق لا يخشى من البلل.. لم يعثروا يا أمى على جسدى حتى أوفِّر ثمن أكفانى، فنحن لم نسدد بعد ثمن السفر، فلا تسألينى عن اسم البحر الذى غرقت فيه الأبيض أم الأحمر أم النيل!
فقد غرقت مثلك فى الديون.. وسدوا أمامنا أبواب الأمل والعمل ليفتحوها لأبنائهم.. أوصيك بابنى لكى لا يغرق مثلى، دعيه ينسى ما حكيته له عن قطز وبيبرس وصلاح الدين، واحكى له عن ملوك السمسرة فى البورصة.. علميه ليصبح جديراً بأن يكون حارس أمن لرجل أعمال، أو سكرتيراً لسمسار، وإذا سألك عن قبرى فقولى له إن لى ألف قبر فى كل مصنع باعوه وكل بنك نهبوه.. وانتظرينى مع كل شروق على الشاطئ، واسألى الأمواج عن حفيد لى قد يأتى إليك وفى يده العباءة ودواء الروماتيزم والنظارة الطبية، وفى اليد الأخرى الأمل والخلاص.. ابنك الشهيد).